نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١١وفي معرض الجواب عن قولهم: (فَلْيَاتِنَا بِئَايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الاَوَّلُونَ) يخاطب الله تعالى أولئك المكذبين الطّغاة، فينبّههم إلى أن الكتاب الذي أنزل بلسانهم هو في معجزته أعظم من الآيات التي طلبوها فقال جلّ من قائل: (لَقَدَ اَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمُ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
إنه الامتنان الربّاني على المخاطبين المكذبين لرسول الله، ليوقظ ضمائرهم بالتّأكيد على عظمة القرآن وحقيته، وبكونه قد أنزله الله إليهم، أي لأجل دعوتهم إلى الهدى والرّشاد، وذلك إحدى معاني "الذّكر" في قوله تعالى: (فِيهِ ذِكْرُكُم}. وأكد الله ذلك الإخبار باللاّم المشعرة بالقسم "وقد" التي تفيد التّحقيق، لأن المخاطبين هم في غفلة عن ذلك. وجاء لفظ: (كِتَابًا) بصيغة التّنكير للتعظيم. ويحتمل الذّكر معنى الشّرف والصّيت كما رجّح ذلك بعض المفسّرين وكما قال تعالى في سورة الزّخرف: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (44).
وذلك ما يثبته الواقع التّاريخي للأمّة العربية، إذ لم تكن شيئا في الحضارة البشرية قبل نزول القرآن بلغتها وبعد اعتناقها للإسلام، والذي حمل لغة القرآن إلى الأقطار الإسلامية المفتوحة، فاحتضنها المسلمون باعتزاز وفخر، وقدّموها على لغاتهم الأصلية. وتفاعلوا مع ما تحمله من هدى القرآن والسّنة حتى أصبح قائلهم يقول مفاخرا:
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا فتخروا بقيس أو تميم
وعلى العكس من تلك العزّة وذلك الشّأن العظيم أصابت الأمة العربية الذّلة والمهانة يوم تنكرت لقرآنها، وحقرت من شأن لغتها بحصرها في إطار الجنس والعرق، ونسخها عن إطار الدّين والعقيدة. مما حقق ما تفرّسه سيدنا عمر رضي الله عنه حين قال: "نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا بغير الإسلام عزّا أذلّنا الله".