نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٦٩

الواو للعطف على ما سبق من قصص الأنبياء، والمعطوف منصوب بفعل محذوف: "اذكر"، والرّسول هو المخاطب، وكل من يصلح للتلقّي والاعتبار. وكان كلّ من داود وسليمان قد جمع بين الرّسالة والملك في أنبياء بني إسرائيل، وكان داود أبا لسليمان، وكان ذا بأس وقوة كما تقدم في قصة قتله لجالوت، وقد آتاه الله الزّبور فيه تمجيد وتقديس لله، وهو تكملة للتّوراة التي تحفظ الشّريعة الموسوية. فقصة الحكم الصّادر عن داود وسليمان تعني نوعا من التّقاضي في خصومة وقعت بين طرفين، وخلاصتها أن راعيا رعت غنمه زرع فلاح ليلا، دون حرس منه، فأتلفت ذلك الزّرع، فاحتكم الرّجلان صاحب الغنم وصاحب الزّرع إلى داود عليه السّلام، فحكم بأن يأخذ صاحب الزّرع الغنم في مقابل ما أتلفته -إذ كانت القيمتان متقاربتين-، وقد اجتهد داود في إصدار ذلك الحكم الذي رآه مقتضى العدل. غير أن سليمان عليه السلام رأى خيرا من ذلك تدقيقا في القضاء، وجمعا بين مصالح الطّرفين، رأى أن يأخذ صاحب الزّرع الغنم لتدرّ عليه من ألبانها وأصوافها وأولادها بقدر ما تلف من زرعه، ويأخذ صاحب الغنم الأرض يحرثها حتى تغلّ مرة أخرى ما أتلفته الغنم، ثم يحتفظ كل منهما بمورد رزقه. وكان هذا الحكم هو الأصوب والأرفق لتحقيق العدل، وفّق الله سليمان إلى إصداره، ولم ينكر عليه أبوه ذلك، بل رآه هو الإدراك السّليم لخفايا الأمور.

ويتبيّن من ذلك ما يكون من التّفاضل في مراتب الاجتهاد، وفيه درس مفيد للمفتين والقضاة على أن خطأ المجتهد لا حرج فيه كما ثبت عن رسول الله قوله: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد».(1)

(1) 1 - رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم 6919.

٣٬٤٠٩ / ٦٬٢٠١