نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ١٢١

للمجادلة المثمرة آدابها وقواعدها، وهي تأخذ قيمتها من قيمة المجادَل فيه، والمجادَلة في الله لبيان قدْره وعظمته وتركيز الإيمان به تتطلب قدرا من العلم والنّظر الحصيف ومعرفة بوحي الله - سبحانه وتعالى -، وقد تعرّضت الآية الكريمة لتلك الوسائل الثّلاث وهي: العلم الضّروري البديهي، الاستدلال النّظري العقلي، الدّليل السّمعي من وحي الله. غير أن هناك فئة من النّاس تشتغل بالجدال وهي لا تملك إحدى تلك الوسائل المساعدة على الفهم والتّدقيق، فهؤلاء لا خير في مجاراتهم في الحديث؛ لأنه لا ترجى منهم فائدة. ومن صفات هؤلاء العجب والكبرياء على المستمعين إليهم؛ لأنهم فالسوا الحجة، يتسترون عن ضعفهم بذلك الكبر، وهدفهم هو إضلال النّاس عن سبيل الله، ومن هذا الصّنف بعض كبراء قريش. غير أن الآية الكريمة ترسم صورة لذلك النّوع من النّاس الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان، وقد توعّدهم الله بالهوان والذّلة في الحياة الدّنيا، وقد لحق ذلك الخزي بسادات قريش يوم بدر وغيرهم وصدق وعد الله، ولن يفلتهم عذاب النّار في الحياة الأخرى، وهو أشدّ وأبقى.

وفي التفات بليغ من الغيبة إلى الخطاب، يبين الله سبب ما لحق بهم، وهو ما اقترفته أيديهم من الآثام والمعاصي، يقال لهم ذلك نكاية بهم، وإمعانا في الإهانة؛ لأنهم مستحقون لذلك العذاب عدلا من الله في معاقبة الظّالمين لأنفسهم، لأنه تعالى لا يظلم عباده، ولا يبخس حقهم شروى نقير، وإنما هي أعمالهم تردّ عليهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرّا يره.

ثم يقول تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنَ اَصَابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنَ اَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةَ ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}:

٣٬٤٦١ / ٦٬٢٠١