نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ١٧١

ب) - (وَالذِينَ سَعَوْاْ فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}: وهؤلاء هم الفريق المقابل للذين آمنوا والسّعي هو الحرص الشّديد في أداء عمل حتى بلوغ الغاية فيه، وقد يكون محمودا أو مذموما وفق ما تقصد به من خير أو شرّ، وهذا الفريق السّاعي في آيات الله، إنما قصده التّشويش وتلفيق الشّبه والأباطيل حول كلام الله في مجادلات عقيمة، معاجزين الله في ذلك، إذ يغالبون رسوله، ظنا منهم أنّهم بذلك يثبّطون مسار الدّعوة الإسلامية، فهؤلاء هم المغلوبون في نهاية المطاف؛ لأنّ الحقّ لا يضيع بلجاجة الباطل، فهم الجديرون بنار جهنم وبئس المصير.

ثم قال الحق تبارك وتعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

لقد أوضحنا في التّحقيق اللّغويّ الفرق بين الرّسول والنّبي، وأن النّبي أعمّ من الرّسول، وكلا اللّفظين جاء نكرة في سياق النّفي لإفادة العموم. ويحتمل فعل: (تَمَنَّى) معنيين، فيأتي بمعنى تقدير الشّيء في النّفس وتصويره فيها -كما ذكره الرّاغب في مفرداته-، وذلك قد يكون عن تخمين وظنّ، ويكون عن روية. والأمنية: هي الصّورة الحاصلة في النّفس من تمنّي الشّيء.

قلت: وهذا الاستعمال هو الأرجح والمشهور، وهو الذي يتناسب مع تفسير الآية التي جاءت لتثبيت الرّسول وتأنيسه في ما يتعرّض إليه من التّكذيب، بدليل عطف هذه الآية على قوله تعالى في ما سبق: (وَالذِينَ سَعَوْاْ فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}.

وهناك استعمال آخر لفعل: (تَمَنَّى}، تردّد على لسان اللّغويين، وهو معنى: "قرأ"، واستدلّوا له بقول حسّان بن ثابت شاعر الرّسول وهو يرثي عثمان بن عفان -رضي الله عنهما- فيقول:

٣٬٥١١ / ٦٬٢٠١