نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٣٦وقليل من أهل الكتاب – قديما وحديثا – من تحققت فيهم هذه الصّفة المثلى بالإذعان للحقّ الذي يُصَدِّق ما عندهم، وإن لم يجر على يد أحد من بني جلدتهم، إذ لم تغلب عليهم العصبية الفاسدة والحسد البغيض.
وقوله تعالى: (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) هو الصفة الثانية، واليقين هو الاعتقاد الذي لا يقبل الشّكّ ولا الزّوال، وجيء به لإثبات إيمانهم بالآخرة، والمراد بها الحياة الثانية حيث الجزاء على الأعمال بحسب ما ثبتت به النصوص القطعية لجميع أحوالها.
يقول الإمام عاشور في المقصد من تخصيصهم بهذه الصّفة: "وإنّما خصّ هذا الوصف بالذّكر عند الثناء عليهم من بين بقيّة أوصافهم لأنه ملاك التّقوى والخشية التي جُعِلوا موصوفين بها، لأنّ هذه الأوصاف كلّها جارية على ما أجمله الوصف بالمتقين، فإن اليقين بدار الثواب والعقاب هو الذي يوجب الحذر والفكرة فيما ينجي النّفس من العقاب وينعمها بالثواب، وذلك الذي ساقهم إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولأن هذا الإيقان بالآخرة من مزايا أهل الكتاب من العرب في عهد الجاهلية، فإن المشركين لا يؤمنون بحياة ثانية. " انتهى(1)
(أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): مرجع الإشارة هم قسما المتقين الموصوفين بما تقدم وتكررت الإشارة للتنبيه على أن تلك الصفات جديرة بالإشادة والتّنويه، فإنّ الفلاح يترتّب على كونهم على هدى من ربّهم "متمكّنين منه تمكّن الرّاكب من مركوبه القويّ المطاوع الملجم في يد المستولي " كما بينه قطب الأئمة -رحمه الله-، ووصف الهدى بأنّه من الرّبّ تعالى للدّلالة على توفيق الله وعنايته بهم، وذلك ما يفيده لفظ " الرّبّ" والإضافة لتعظيم شأنه.
(1) - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 1/ 239.