نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٦٨

لقد رأى الإمام ابن عاشور خلافا لجمهور المفسّرين، رأى أن قوله تعالى: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) جملة معترضة بين الآية السّابقة: (وَلَقَدَ اَنزَلْنَآ إِلَيْكُمُ ءَايَاتٍ) والآية اللاحقة: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ}، فقال معلّلا ذلك: "ومناسبة موقع جملة: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) بعد جملة: (وَلَقَدَ اَنزَلْنَآ إِلَيْكُمُ ءَايَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ) أن آيات القرآن نورا قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً) (النّساء:174). وقال: (قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة:15). فكان قوله: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) كلمة جامعة لمعان جمّة تتبع معاني النّور في إطلاقه في الكلام.

وموقع الجملة عجيب من عدة جهات، وانتقال من بيان الأحكام إلى غرض آخر من أغراض الإرشاد وأفانين من الموعظة والبرهان".(1)

قلت: وهذا الذي ذكره من وجه المناسبة بين ما سبق من الأحكام وانتقال إلى غرض آخر، يستقيم كذلك مع ما ذهب إليه كثير من المفّسرين، من أنّ الآية هي على الاستئناف الابتدائي، وعلى أن قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) هي بيان لجملة: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ}، وأنّ الضّمير في قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) عائد إلى لفظ الجلالة، فقد أشاد الله تعالى بآياته المنزلة في هذه السّورة عدّة مرّات ووصفها بأنها بيّنات ومبيّنات ترسم طريق النّور للمسلمين وتخرجهم من ظلمات الجاهلية، لأنّ النّور الذي يهدي إلى الحق هو نور البصيرة، وهو يتجسّد في رسول الله وصحبه من المتقين الأوفياء.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 18/ 231.

٣٬٧٠٨ / ٦٬٢٠١