نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٦٩

وأمّا المنافقون الذين يتظاهرون بأنهم مع المؤمنين في مجال ذلك النّور فهم في الحقيقة ما يزالون في الظّلمات، كما ضرب الله بهم مثلا في سورة البقرة فقال تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ’ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) (البقرة:17). فهم والكفّار سواء في عمى بصيرتهم وسوء قلوبهم، فلا يطمعنّ أحد منهم أن ينال رحمة الله ومغفرته بظواهرهم الكاذبة.

قال تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيِّتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ’ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ’ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأنعام:122). وكما تستمدّ الأرض نور الحياة لمادتها من نور الشّمس، فكذلك تشرق بنور ربّها بواسطة كتبه ورسله في ما يصلح أمرها ويضمن لها سعادتها واستقرارها.

هـ) - البيان والتّفسير:

(اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ}: النّور اسم من أسماء الله الحسنى، وليس الإخبار به عن اسم الجلالة إلاّ بالمعنى المجازي لكلمة "النّور" الذي يدلّ على المعنى المطلق الأساسي لما يجب أن نصف به الخالق تبارك وتعالى مثل بقية الصّفات من السّمع والبصر والعلم والقدرة، والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم، نصفه وندعوه بها كما أثنى بها هو على نفسه، دونما محاولة منا للتجسيد أو التّمثيل بالمدلول المادي المعهود لدينا، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

فكما أن النّور المادي هو سبب لظهور الأشياء أمام أعيننا، فكذا ظهور هذا الكون الفسيح الأرجاء، ما ظهر لنا منه وما اختفى، إنما كان بنور الله وقدرته مما لا يمكن أن ندرك كنهه بعقولنا الضّيّقة، إلا بما يعلّمنا هو عن طريق وحيه المنزّل. فهو الظّاهر الجلي من خلال آياته في الآفاق، وهو الباطن في كنه ذاته العليّة، ليس كمثله شيء على الإطلاق.

٣٬٧٠٩ / ٦٬٢٠١