نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٧

وإزاء ذلك ثارت ثائرة فرعون إذ انكشف ضعفه وبطلان دعواه أمام تلك الحشود من رعيته، فأراد أن يبرّر موقفه بشيء من المكر والدّهاء حتى يحافظ على هيبته فقال للسّحرة: (قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنَ اذَنَ لَكُمُ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمُ أَجْمَعِينَ).

فهو لم يستطع أن يطعن في إيمان السّحرة؛ لأنه إن ملك رقاب النّاس فهو لا يملك قلوبهم وأفكارهم -وهي محط الإيمان-، ولكن لغة الجبروت والطّغيان لا تعدم المبرّرات والتّأويل لتصرّفات النّاس، ولذلك فهو ينكر أن يقرّ السّحرة بالإيمان قبل أن يأذن لهم، حتىّ لكأنّه يملك نفوسهم وأفئدتهم، ولم يعترف أنّ باعث الإيمان في قلوبهم هو اقتناعهم بنصاعة الحقّ، والاهتداء بنوره، بل أوعز ذلك إلى السّحر نفسه، بأن اعتبر موسى أستاذهم في تعليمه لهم، في حين أنّ الجمع يعرفون أنّ موسى لم يجتمع بهم من قبل، ثم هدّدهم بقوله: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، أي بما أعاقبكم به، ثم بيّن لهم نوعية ذلك العقاب بأسلوب التّهويل لعلهم يرجعون عن إيمانهم فقال: (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمُ أَجْمَعِينَ).

إنه أسلوب الطّغيان والجبروت في التّفنن في أساليب التّعذيب إذ لم يجرؤ أحد أعوانه أن ينازعه في ذلك الحكم القاسي، ولا هو قد استشارهم كما فعل ذلك معهم من قبل؛ لأنّ الموقف لا يستدعي الانتظار والتلكّؤ حتى يكونوا عبرة لغيرهم، ولكنّ معجزة الإيمان تدكّ صروح الجبروت والطّغيان، فكيف كانت إجابة السّحرة أمام ذلك التّهديد؟.

(قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَّغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُومِنِينَ).

٣٬٨٧٨ / ٦٬٢٠١