نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٨٧

ثم أكد الله ذلك التّعنت من المشركين فقال: (كَذَالِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، لاَ يُومِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الاَلِيمَ، فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ).

يقال: سلك الشّيء في الشّيء، أي أدخله فيه، والقلوب هي مستودع الأحاسيس الإنسانية -كما تقدم-، ومعنى الآية أنه تشبيه لهذا السّلوك الشّاذ في العناد والتّعنّت ممّا كان عليه كفّار قريش، يكون هو نفسه في سائر قلوب المجرمين في كل عصر، لأنّها قد استغلقت بداية عن سماع الحقّ، فلا تجدي فيهم الحجج والبراهين، ويظلّون على كفرهم حتى يروا العذاب الأليم، إن عاجلا أو آجلا، إذ هم لا يؤمنون إلا بالمشاهد المحسوس، وحين يفاجئهم يركبهم النّدم ويتمنون الإنظار علّهم يستدركون ما فاتهم، ولكن هيهات، وقد كانوا من قبل يستعجلون ذلك العذاب لحماقتهم وجهلهم، قال تعالى: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، أَفَرَآيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ، مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ).

لقد تكررت في القرآن عبارات استعجالهم لنزول العذاب عليهم أو سؤالهم عن قيام السّاعة في تحدّ وتعجيز لرسول الله، فجاء الرّدّ الإلهي بهذا الاستفهام التّعجيبي من غرورهم وكبريائهم؛ لأنهم عند نزوله يطلبون الإنظار والإمهال وقد اقتضت حكمة الله ذلك الإمهال؛ لأنه أعلم بما في أحوالهم المستقبلية، ومع ذلك أعقبه بهذا الرّدّ اللّطيف، وهو يخاطب رسوله، وكلّ من يقرأ القرآن بهذا الاستفهام التّقريريّ: (أَفَرَآيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ، مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ).

٣٬٩٣٨ / ٦٬٢٠١