نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٨٨

يبيّن الله تعالى كيف يستدرج الظّلمة ويملي لهم بالتّمتع سنين، وهي معدودة زائلة، فهل ينفعهم ذلك التّمتع حين يأتيهم العذاب الأبديّ، وهل يتذكرون عندها ذلك المتاع الزّائل؟، كلاّ، وقريبا من هذا المعنى يقول المعرّي:

تعب كلها الحياة … فما أعجب إلاّ من راغب في ازدياد

إن حزنا في ساعة الموت … أضعاف سرور في ساعة الميلاد

وقال الله مسليا رسوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارِ) (الأحقاف:35).

ثم يبيّن الله سنته في خلقه تقتضيها حكمته وعدله فيقول: (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ اِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ).

وتصلح هذه الآية فذلكة لما تقدم من قصص الأنبياء في هذه السّورة تنبيها لمشركي مكة، وأنّه تعالى لا يهلك قرية إلاّ بعد إقامة الحجة عليها بإرسال الرّسل، وقد اكتفى بوصفهم بالإنذار لأنّه الأنسب بغرض السّورة، وقد أدرج الرّسول في موكبهم بقوله في الآية السّابقة: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)، وبذلك يكون التّذكير لقريش ولجميع النّاس، حتى يتحققوا من عدل ربّهم وأنه لا يظلم النّاس، ولكن النّاس أنفسهم يظلمون.

ثم يأتي الرّدّ الإلهي على دعوى المشركين بأن محمدا كاهن تلقى عليه الشّياطين ذلك الكلام، قال تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ).

لطالما ألقى الكفار بشبهاتهم للنّيل من صدق القرآن فقالوا عن رسول الله: إنه ساحر، كما نسبوا إليه قول الشّعر، وقالوا: إنه كاهن، وفي زعمهم أنّ الكهنة لهم شياطين يأتون إليهم بأخبار السّماء، كما يقولون بمثل ذلك في الشّاعر بأنه له ريئ من شياطين الجنّ، فجاء هذا الرّد الإلهي نافيا لتلك الشّبهات كلها واحدة تلو أخرى فقال:

٣٬٩٣٩ / ٦٬٢٠١