نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ١٤٢وكان قوم صالح لشدّة تعنّتهم يتعجّلون بنزول العذاب بهم، وقد مكّنهم الله تعالى من نعمه الكثيرة، وكان أولى بهم أن يُذعنوا للإيمان به ويطلبوا رحمته، ولكنّه الطّغيان الذي يتغلّب على الإنسان إذا استغنى، إذ قالوا: (يَا صَالِحُ ايتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الأعراف:77). وقد أنكر عليهم صالح ذلك وحرّضهم على التّوبة والاستغفار لعلّ الله تعالى يرحمهم، ولكنّهم لجّوا في عنادهم فاتّهموه بأنّ دعوته كانت شؤما عليهم.
(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَآئِرُكُمْ عِندَ اللهِ بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ): والتطّير هو التّشاؤم، وهو مأخوذ من عادة زجر الطّير عند العرب فيتحوّل يمينا فيتفاءلون أو يتحوّل يسارا فيتشاءمون عند عزمهم على سفر مهمّ أو قضاء حاجة، وهي عادة جاهلية أبطلها الإسلام، ومن ثمّ جرت عادة النّاس أنهم يتطّيرون بالأشخاص أو بالأشياء، وهؤلاء اعتبروا صالحا ومن معه من المؤمنين شؤما عليهم، كما تشاءم فرعون بموسى ومن معه، قال تعالى: (فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطََّّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ) (الأعراف:131).
ولا شكّ أنّ سنّة الله في ابتلاء خلقه جارية على أقدارها وفق مشيئة الله. والتّكذيب بالرّسل يقتضي سخط الله وغضبه، ولكن القوم ربطوا ما أصابهم من ضرّاء بدعوة صالح كما يفعل الطغاة المستكبرون فكان جواب صالح بقوله: (طَآئِرُكُمْ عِندَ اللهِ بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)، أي إنّ ما يصيبكم هو من قدر الله وتصرّفه، وأن ما يعتقدونه من التّطيّر هو من وسوسة الشّيطان وفتنته.
(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ، قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مُهْلَكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).