نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٩٣إنها تفنّن في أساليب المكر من المشركين، فمع استعمال البطش والأذى لمن تمكّنوا منهم من المستضعفين، فإنّهم قد لجأوا إلى الإغراء والمغالطة لفريق آخر من المسلمين، يغرونهم للارتداد عن دينهم بأسلوب اللّين والخداع، فيقولون بصيغة الأمر: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ)، والواو بين الجملتين لإفادة المعية التي تدلّ على الالتزام بحمل مشقّة تلك الخطايا إن هم اتّبعوا سبيل المشركين، وفي ذلك تهكم بمعتقد المسلمين في يوم الجزاء، ولذلك جاء الرّدّ الإلهي بقوله تعالى: (وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ اِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، جاء الرّدّ تكذيبا لزعمهم، جاء مؤكّدا لإفادة نفي العموم على قاعدة: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164). والتّذييل بقوله تعالى: (اِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)؛ لأنّ ذلك الإدّعاء مخالف تماما لما هو واقع منهم في الدّنيا ولمعتقدهم في الأخرى.
ثم أعقبه تعالى ببيان عاقبة أمثالهم من الضّالين والمضلين فقال: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
فقد شبّه الله تبعات الذّنوب المتراكمة بالأثقال المحمولة تنوء بالكواهل المتينة، فهؤلاء المشركون أضافوا إلى أثقالهم الذّاتية أثقال غيرهم ممن كانوا يضلّونهم، فهي زيادة لهم في العذاب والشّقاء يوم القيامة عندما يحاسبون على ما اقترفوه، فيسألون عليه سؤال توبيخ وتقريع لما كانوا يختلقونه من أنواع الإفك والتّضليل لأتباعهم، ومن الإغراء والمغالطة للمسلمين. وقد جاء في الحديث: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيّئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».(1)
(1) 1 - رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله، كتاب (13) الزكاة، باب (21) الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، رقم 2398.