نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٠٠(إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا): والأوثان جمع وثن، وهو صورة مجسّمة لإنسان أو حيوان، مصنوعة من حجر أو خشب أو غيرهما، وكونهم يخلقون لها إفكا -وهو الكذب الصّراح-، لأنّهم يصنعونها ويشكّلونها بأيديهم، ويضعون لها أسماء لترمز إلى بعض أوليائهم وزعمائهم، ويعتقدون فيها النّفع والضّرّ، كما كان يزعم كفار قريش، والتّعبير بالإفك المختلق جاء لتسفيه تلك العبادة الباطلة.
وبما أن مطلب الرّزق يأتي في أوّليات مطالب الإنسان بمختلف الوسائل المادية والمعنوية، فإنّ إبراهيم قد أضاف لدعوته دليلا آخر لفساد معتقد قومه في تلك الآلهة، بأنّها لا تملك لهم أيّ رزق تجلبه لهم قليلا أو كثيرا، صغيرا أو كبيرا، وقوله: (فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، يدلّ على أنهم يعتقدون جلب الرّزق من أصنامهم، ولذلك ذكّرهم بأنّ الرّازق هو الله وحده، وهو المستحقّ للعبادة والشّكر، وبما أنّ أغلب المشركين لا ينكرون أن الخلق والإيجاد من الله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (الزّخرف:87)، ولا ينكرون أنهم سيموتون حتما، وبين الحياة والموت ضرورات الرّزق وتكاليف المعاش فمن غير الله كافلها لخلقه؟، فكان التّذكير بذلك من إبراهيم لقومه تذكيرا بما لا يمكن أن ينكروه، ويبقى الرجوع إلى الله محلّ شكّ عندهم، فجاء التّعبير بما يفيد القصر: (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي إليه وحده لا إلى غيره ليجازيكم على ما قدّمتموه. وهكذا يكون إبراهيم قد ربط البعث بقضية الألوهية.
وثالثة الأثافي في العقيدة هي الإيمان بالرّسل، فقال: (وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).
يرد احتمالان في موقع هذه الآية خلال القصة:
أ) - أنها من جملة مقولة إبراهيم لقومه.