نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٠٤وعلى ذكر آية الله في بدء الخلق وإعادته يأتي ذكر الحساب والجزاء موكولا إلى مشيئة الله فيقول: (يُعَذِّبُ مَنْ يَّشَآءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَّشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ، وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ وَّلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ).
قدّم العذاب على الرّحمة ليناسب ذلك جوّ السّورة من التّهديد والوعيد للكافرين الذين أنكروا البعث، ولذلك اختير فعل: (وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) عوضا عن: (تُرْجَعُونَ) لما في لفظ الانقلاب من الشّدة والقهر، عندما يُسلب عن المرء الاختيار، فينكشف له الغطاء عن حقائق الآخرة، حيث لا يكون الملك والأمر إلا لله يقضي بحكمه العادل عذابا أو رحمة، فلا ينازع في حكمه، ولا يفلت أحد من حسابه.
وبما أنّ المنكرين للبعث يعتقدون النّصرة والشّفاعة من أوليائهم الذين عبدوهم من دون الله، وقد تعدّدت آلهتهم ممّا اتّخذوه من الأرض رمزا لزعمائهم، أو اتّخذوه رمزا لمخلوقات السّماء كالملائكة والجنّ والأجرام الضّخمة … إلخ، فقد نفى الله إعجازهم له بذلك في الانفلات عن قبضته حسابا أو مجازاة، كما تحدّاهم الله على ذلك في ندائه للثّقلين فقال: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمُ أَن تَنفُذُوا مِنَ اَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ فَانفُذُوا) (الرّحمن:33).
ومع تطويقهم في جميع الأمكنة أضاف الله تأييسهم من رحمته بسبب كفرهم بآيات الله، وإنكارهم للرجوع إليه في يوم البعث فقال تعالى: (وَالذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ اللهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ)، فقد جعل الله سبب ما لحقهم من اليأس وما نالهم من العذاب هو كفرهم بآيات الله من القرآن المنزّل على رسوله، ومن كذّب بالقرآن فقد كفر بالله ولقائه، فلا مطمع له في رحمة الله التي سبقت غضبه.