نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٠٨بعد تلك الآيات المعترضة تأتي تتمّة القصّة إجابة من قوم إبراهيم لدعوته، إذ لم يجدوا لأدلّته وبراهينه على وحدانية الله وبيان قدرته، لم يجدوا إلاّ الالتجاء إلى العنف والقوة شأن الطّغاة المتجبّرين إذا أعوزتهم الحجّة، فهؤلاء القوم لم يجيبوا إبراهيم إلاّ بتهديدهم له بالقتل أو الحرق بالنّار، والقائلون هم الكبراء والسّادة، وفي طليعتهم النّمروذ الملك الطّاغية، إذ وقع اختيارهم على إحراقه بالنّار، فقد أخذوا يجمعون لذلك حطبا عظيما في مكان أحاطوه بجدران لإضرام سعيره، وتقول الرّواية أنهم رموا فيه إبراهيم بالمنجنيق، وقد اختصرت القصّة هنا بإنجاء الله له من تلك النّار المسعورة بتعطيل سنّة الإحراق، فكانت كما قال تعالى: (بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، وكان ذلك معجزة لهذا الرّسول الكريم الذي رفع لواء التّوحيد في قوم وثنيين يقدّسون آلهتهم الباطلة، ويريدون الانتصار لها بعد أن حطّمها إبراهيم، ويدلّ على تمكّن الكفر منهم أنّهم تمادوا عليه حتىّ بعد مشاهدتهم لتلك المعجزة التي أثبتت صدق إبراهيم في دعوته، ذلك لأنّ الإيمان هو الباعث للتّأثّر والانتفاع بتلك المعجزات، بينما هؤلاء يصرّون على كفرهم، فأراد إبراهيم أن يبيّن لهم سبب ذلك الإصرار فقال:
(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَم بَيْنَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ).