نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣١٠لوط هو ابن أخي إبراهيم، كان معه في محنته، فكان أوّل من آمن به، أي اتّبع ملّته إيمانا وعملا، ولما يئس إبراهيم من إيمان قومه أعلن عن هجرته إلى ربّه، أي لأجل عبادة ربّه، وهي أول هجرة لأجل دين الله، ففي أرضه متّسع لنشر دعوته، يقول القطب -رحمه الله-: "كما روي أنّه هاجر من "كونى" مع لوط وامرأته "سارة" بنت عمه إلى "حرّان" ثم منها إلى الشّام، نزل فلسطين، ونزل لوط "سدوم"، وهي المؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة، وعمر إبراهيم حينئذ خمس وسبعون سنة، وهو أول من هاجر في الله تعالى".(1)
(إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): صفتان للذّات العلية تناسبان الموضوع، لأن الله هو القويّ القاهر، وهو المدبّر الحكيم.
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوءَةَ وَالْكِتَابَ)، وتبدو حكمة الله وتدبيره لخليله إبراهيم في بقائه عقيما وهو بأرض الكفر، وعلى تقدمه في السّن هو وزوجته "سارة"، فإن قدرة الله قضت أن تمتّعه بولدين بعدما هاجر فرارا بدينه، فقد وهبه الله إسماعيل من "هاجر" وإسحاق من "سارة" التي عبّرت عن تعجّبها من أمر الله عندما بشّرتها الملائكة بذلك، كما تقدم التّفصيل في سورة هود، فمن هذين الأصلين الكريمين إسماعيل وإسحاق، امتدت فروع الحكمة والنّبوءة في ذرية إبراهيم، كما امتن الله عليه في هذه الآية الكريمة، وكان آخر الرّسل من فرع إسحاق سيّدنا عيسى عليه السلام، وآخرهم من فرع إسماعيل سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأيّة مبرّة وأي أجر هو أجزل لإبراهيم من هذه الهبة الإلهية التي رفعت منزلته في العالمين، وخلّدت ذكره في الأولين والآخرين.
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير: 11/ 59.