نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٣٨لقد بلغ مكر المشركين وإذايتهم لرسول الله ذروته بمثل هذا التّحدّي السافر في استعجالهم للعذاب الموعود به، تعبير عن استخفافهم بوعيد الله، وهم لجهالتهم وحمقهم حبيسو الواقع، مفتونين بمتاعهم الدّنيوي، ولا يدركون حكمة الله في ذلك الإمهال إذ قال: (وَلَوْلآَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَآءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَاتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
إنها حكمة الله في الاستدراج، إذ حدّد لأقداره آجالا معيّنة، لا تخضع لهوى النّاس، وليس أمرها بيد رسول الله، ولولا ذلك لحلّ بهم العذاب عاجلا وفي غفلة منهم، ومن مجالي تلك الحكمة الإلهية في تأجيل العذاب تمحيص جماعة المؤمنين وابتلاؤهم بفتنة المشركين، كما تقدم في أول السّورة حتى يتبيّن الصّادق من الكاذب في إيمانه، ثم ما قدّره الله في استبقاء أولئك الطّغاة ليخرج من أصلابهم من يصبحون أنصارا وقادة لنشر الإسلام في أصقاع الأرض كما شهد بذلك الواقع التّاريخي، وقد جاءهم العذاب العاجل في غزوة بدر وغيرها فقضى فيها الكثير من طغاتهم، وإذ أعدّ الله عذابا أعظم يكون آجلا بيوم القيامة وهو أعظم وأنكى فقد أكّد ذلك بقوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُم بِالْكَافِرِينَ، يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
صوّر الله العذاب المعدّ للكافرين يوم القيامة كأنّه حاضر مشهود، تحيط بهم جهنّم من كلّ جانب، ثم يرسم لهم صورة مروّعة وهم في أتون جهنّم يلفّهم جحيمها ولا يجدون عنها مهربا، ثم يقال لهم نكاية وتهكما: (ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، أي ذلك جزاء أعمالكم، وتلك عاقبة سخريتكم، وقد جمع الله لهم العذاب المادّي والمعنوي، أعاذنا الله من الخذلان، ومن الذّلة والهوان، والله أعلم.
الأمر بالهجرة فرارا من الفتنة
أ) - النصّ:
/
/
/
/
/
ب) - التّحقيق اللّغوي: