نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٥٨وعد الله شامل مطلق، يغطّي عالم الغيب والشّهادة، ويطال أبعاد الزّمان الثّلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، فمن وعوده تعالى ما يقع في واقع الحياة حاضرا أو مستقبلا، وإن كان الإنسان لا يؤمن إلاّ بالواقع المحسوس إذا أخطأه الإيمان، وبما أنّ وعد الله هو قرين علمه ومشيئته في تدبير شؤون الكون الأعظم، فهو صادر عن قدرته المطلقة وإرادته الحكيمة، فلا يكون إلاّ ما يريد.
فقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، هذا الاستدراك ناشئ عن قصور أكثر النّاس عن إدراك تلك الصّفة الإلهية الصّادقة في إنجاز الوعود كشأن المشركين في قضية هزيمة الرّوم، ذلك لأنّ الإنسان إذا أخطأه الإيمان يتعلّق بظاهر الحياة وحدها فتكون نظرته سطحية للأشياء، وإن بدا له أنّه يعلم الكثير من الحقائق؛ لأنّ ظاهر الحياة الدّنيا محدود قصير، وما هو إلاّ مشهد صغير من مسرحية الوجود الكبرى.
وقد وصف الله الدّار الآخرة بأنّها هي الحيوان -كما تقدم- والمؤمن بنور الله يبصر، كما ورد في الأثر، فهو لا يكتفي بظواهر الأشياء التي وصفها الله بأنها لهو ولعب، وإنّما يتعمق لبواطنها مستنيرا بهدي الله ليتجاوب مع روح الوجود كله.
فلا نعجب -إذن- مما حقّقه اليوم العلم المادّي في جميع مجالاته، فهو عار عن تلك الحقيقة الوجودية الكبرى في قوله تعالى: (وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)؛ لأنّ الإيمان هو وحده الضّوء الكاشف الذي يسبر أغوار الوجود، ومنها معرفة أسرار النّفس البشرية التي عجز العلم الحديث عن فهم دقائقها واستكناه أسرارها.