نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤٢٥والسّماء في المشاهد المنظور للإنسان هي هذه القبة الزّرقاء المشدّة فوق رؤوسنا، والتي يحاول اليوم علماء الفلك من خلال أبحاث الفضاء أن يستكشفوا بعض أسرارها سيما في مجرّتنا التي تنتظم المجموعة الشّمسية، وعلى استعارة فعل البناء للسماء، يبيّن الله تعالى بطريقة التّمثيل المألوف عند النّاس بإقامة البناء على الأعمدة السّميكة لمدّ طبقاته، غير أنّ المخاطبين في نظرتهم البدائية إلى تلك المشاهد الطّبيعية لا يمكن معهم تجاوز المظهر الحسّي الذي يشاهدونه، ومن ثمّ يقيسون عليه الأشياء الأخرى؛ لأنّ رفع مثل ذلك البناء الضّخم المتماسك بغير عمد نراها بأعيننا هو المثل العجيب لصنع قدرته، وفي سورة الرّعد ترد مثل هذه اللّقطة، وأرى أنّه من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم زيادة جملة: (تَرَوْنَهَا)، ممّا يدلّ أنّ هناك ما يمسك تلك المخلوقات الضّخمة، ولكنّنا لا نراه، فهل نقول: إنّه ما نسمّيه اليوم بالجاذبية، وهي قوّة لا نراها، والله أعلم بمكوناتها، تلك هي قدرة الله في الفضاء الكوني، وهو أعظم من أن يحيط به علم الإنسان.
ولذلك يعود النّصّ إلى الاستدلال بما في الأرض فقال: (وَأَلْقَى فِي الاَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ)، وهي أدلّة طبيعية مشاهدة تدلّ على قدرة الله وحكمته ورحمته بخلقه، وإضافة قوله: (أَن تَمِيدَ بِكُمْ) هو في متناول كلّ المخاطبين في ضمان توازن الأرض في مفهومه البسيط، كما عبّر على ذلك في سورة النّبأ بقوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الاَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (النبأ:6 - 7)، (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتًا) (المرسلات:27).
(وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ): إشارة إلى أصناف المخلوقات من كلّ ما هو كائن حيّ قد ألهمه الخالق إلى تدبير شؤونه ورزقه.