نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ١٣٢

ب- إخلاء سبيلها بالمعروف، وقيّدت العمليتان بالمعروف هنا وقد تكرّر الحكم في الإمساك والتّسريح مع تغير في القيد إذ ذكر في ما سبق التّسريح بإحسان وفي وجه ذلك التكرير للحكم والتغيير في القيد ينقل الإمام ابن عاشور عن الفخر الرازي قوله: "إنّ الآية السّابقة أفادت التّخيير بين الإمساك والتّسريح في مدّة العدّة، وهذه أفادت ذلك التّخيير في آخر أوقات العدّة تذكيراً بالإمساك وتحريضاً على تحصيله، ويستتبع هذا التّذكير الإشارة إلى التّرغيب في الإمساك من جهة إعادة التّخيير بعد تقدّم ذكره".(1) وهو ملحظ دقيق.

قلت: وللتّأكيد على التّرغيب في الإمساك بالمعروف نهى الله عن ضدّه بقوله: (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ)، إذا كانت المراجعة لقصد الإضرار بالمرأة بتطويل حبسها بالعدّة فهي اعتداء على المرأة بهضم حقّها واعتداء على أحكام الله بتعطيلها، سيما إذا كان القصد من ذلك إرغام المرأة على الفدية، كما قال ذلك الأنصاري لامرأته: "لا آويك ولا أفارقك".

وما أبلغ ذلك التّهديد الإلهي باعتبار أنّ من فعل ذلك فقد ظلم نفسه قبل أن يضرّ بتلك المرأة، وذلك بما يسبّبه من تدمير أسرته وزرع العداوة والبغضاء بينه وبين أولاده لما يتعرّضون إليه من العيش في جو التّوتّر والتشنّج، ويستعدي أصهاره فيناوئونه ويتربّصون به، ذلك كلّه من عذاب الدنيا ولعذاب الآخرة أشدّ وأنكى بتعرّضه لسخط الله ونقمته. ولشناعة هذا الموقف اعتبر من يفعل ذلك هازئا بآيات الله وشريعته، وحسب المؤمن من الوعيد والتّهديد أن يُعتبر لاعباً بأحكام الله فقد روي عن ابن عباس أنّ رجلا قال له: "إنّي طلّقت امرأتي مائة طلقة. فقال له ابن عباس: بانت منك بثلاث، وسبعة وتسعون اتخذت بها آيات الله هزءاً".

(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 2/ 422.

٤٣٥ / ٦٬٢٠١