نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ١٨٣

ثم أوضح الله أنواع ذلك الفضل وقال: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)، أمر الله الجبال والطير أن تؤوّب معه، أي تردّد وترجّع صوت تسبيحه لله، والأمر هنا من قبيل الأمر التكويني الربّاني، فالجبال في شموخها وثبوتها تسبح لله مع تسابيح وترانيم داود وهو يرتل مزامير الزبور، وقد آتاه الله صوتا رخيما، وأمّا الطير فتحشر له وترف حوله تسبح هي الأخرى بحمد ربها، وليس تسبيح الجبال والطير ترجيعا لصدى صوت داود عليه السلام بل هو تسبيح يتجاوب ويتناغم مع صوت النبي بدليل قوله تعالى للجبال: (أَوِّبِي مَعَهُ)، فالتبعية تقتضي أن يكون لها تسبيح خاصّ بها، وكذلك الطير المحشورة له، والله وحده يعلم كيفية ذلك التسبيح، وهو يسمعه لمن يريد من عباده، كما آتى سليمان منطق الطير، ولا شك أنّ رسل الله وأنبياءه تنتابهم الإشراقات الروحية فيخترقون بأرواحهم حواجز الزمان والمكان فتنكشف لهم من أسرار الغيب مما يشاء الله أن يريهم منها كما قال ربنا في شأن رسول الله ليلة المعراج: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنَ -ايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم:17 - 18).

وقد أحسن سيّد قطب في التعبير عن تلك الخاصية الروحية عند رسل الله فقال: "والآية تصوّر من فضل الله على داود عليه السلام أنه قد بلغ من الشفافية والتجرّد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات، فاتصلت حقيقتها بحقيقته في تسبيح بارئها وبارئه ورجّعت معه الجبال والطير، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز، حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع، وبين كائن من خلق الله وكائن، وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق".(1)

(1) 1 - في ظلال القرآن: 22/ 62 - 63.

٤٬٥٠٢ / ٦٬٢٠١