نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ١٨٤

ب) - (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا اِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): وهذا نوع آخر من فضل الله على داود يتمثل في إلانة الحديد له، فالحديد مادة صلبة لها بأس وقوة لا تلين للتشكيل إلا بصهرها على النار، ثم إن تشكيلها لأدوات مختلفة يتطلب من الحدّاد قوة جسدية، غير أن النصّ اكتفى بإسناد الإلانة إلى الله من غير بيان لوسيلة تلك الإلانة مما يرجّح أنها معجزة ثابتة لداود. ثم اعجب لذلك الإرشاد الإلهي في أن يصنع الدروع السابغات بتلك الكيفية المتقنة بحسن التقدير في السرد، وذلك بإحكام حلقها ومقادير تقويسها، كما يفعل الخياط بالثوب، والدروع هي ما يلبسه المحارب ليتقي به الضربات والطعنات عن جسده، ووصفها بالسابغات مع حذف الموصوف لتكون كاملات شاملات حتى تكون تامّة الوقاية.

وأمره تعالى لآل داود بالعمل الصالح إثر توجيهه لهم بإتقان صنعة الدروع -وهي من أدوات القتال-، هو -والله أعلم- لتغليب جانب السلم وتركيز الأمن على جانب الحزن والظلم والفساد؛ لأن الدروع وسيلة دفاعية لا بدّ منها لمواجهة خطر المعتدين، فالله لم يأمره بصناعة السيوف والرماح أو البنادق والقنابل كما يفعله الظالمون المعتدون، وذلك فساد في الأرض، والله لا يحبّ المفسدين، وشأن رسل الله هو الصلاح والإصلاح لأنهم شاكرون لأنعم الله ومن أعظم الشكر في القيام بأية صناعة أن تتمّ بإتقان وتعاون، ولذلك جاء الأمر بصيغة الجمع مذيّل بمراقبة الله، لأنها هي الباعث ليقظة الضمير لدى العاملين.

(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَّعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَّزِغْ مِنْهُمْ عَنَ اَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ):

عطف الله على فضل داود ما أنعم به على سليمان، وذكر منها ثلاث منن وهي:

٤٬٥٠٣ / ٦٬٢٠١