نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٢٠٠

ربما مرّت على قريش بعض الضوائق، وتقول الرواية أنها بانحباس المطر عنهم طويلا، وحين يلتمسون الخروج من ضائقتهم كان الرسول يقول لهم في تهكّم: ادعوا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله لترفع عنكم الضرّ، وأنتم تدّعون ألوهيتها كذبا وزورا حالة كونهم لا يملكون ولو مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض، فكيف يكون تصرّف أحد في شيء لا يملكه، لا ملكية خاصّة ولا ملكية شراكة؟، علما بأنّ المشركين لا يعتقدون ملكية آلهتهم لشيء في السماوات وفي الأرض، وبالتالي ليس لهم إعانة ولا مساعدة لله في ما خلق، كما قال تعالى: (مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكهف:51).

ولما كان المشركون يزعمون أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله أو تقربهم إليه كما ذكر القرآن ذلك على لسانهم بقولهم: (هَؤُلآَءِ شُفَعَآؤُنَا عِندَ اللهِ) (يونس:18). ونفيا لذلك الزعم الباطل جاء قوله تعالى هنا: (وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنَ اَذِنَ لَهُ)، وربما اعتقدوا ذلك في الملائكة المقرّبين وقد عبدوها من دون الله، ولكن النفي كان عامّا في الآية ينفي كل شفاعة نافعة عند الله، إلا لمن أذن الله له أن يشفع، والإذن يحتمل أن يكون للشفيع من الرسل والأنبياء والصلحاء أو للمشفوع له وفق ما بيّن الله في قوله: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى) (الأنبياء:28)، والاستثناء صالح للاحتمالين. وبما أن مقامات الشفاعة هي خاصة بيوم القيامة وما يشهده الخلق من هول الموقف قبل الإذن لرسول الله بالشفاعة العظمى، إذ يقول له ربّ العرش: «اسأل تُعط، واشفع تُشفّع»، فقد قال تعالى في شأن الخلق يومئذ: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).

٤٬٥١٩ / ٦٬٢٠١