نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٤٤وإذ أراد الله تنبيه خلقه إلى تلك الحقيقة الكبرى فرّع عليها قوله: (فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ)؛ لأنّ الحياة الدنيا متاع ولهو وزينة تغرّ وتلهي، والمقصود بالغرور -بفتح الغين- هو الشيطان اللعين، وقد أعلن عداءه للإنسان بقوله: (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ) (الحجر:39). فهما إذن غروران يتسلطان على الإنسان، غرور مصدره النفس الأمارة بالسوء تزيّن له مفاتن الدنيا، وغرور يتلقّاه من الشيطان وهو الأخطر والأسوأ. ولذلك أكّد التحذير منه بمزيد من البيان فقال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا اِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنَ اَصْحَابِ السَّعِيرِ).
فقد بيّن المراد بصفة "الغرور" أنه هو الشيطان وجنوده، فقد أعلن عداوته لبني آدم عندما تمرّد عن الله في رفضه السجود لآدم. فقال تعالى: (اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (البقرة:36)، فقد تكرّر ذلك التحذير من عداوة الشيطان في القرآن وإن تظاهر بالمودّة وبالنّصح الأمين، فلا عجب أن يأتي التحذير الإلهي هنا بمثل ذلك البيان المفصّل في التفسير والتعليل، فعداوته للإنسان مؤكدة في علم الله، فهي لا يمكن أن تتخلف ولا أن تلتبس بصفة أخرى.
(فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا): إذ لا ينبغي للعاقل أن يتساهل مع عدوّه في التعامل فيقع في شباك حيله، ولا يرجى منه خير، ولا يدعو إلا إلى النار من بعد ما أقسم أن يملأها من الجنة والناس أجمعين.