نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٤٦أما المجتمع المدني الذي شاءت قدرة الله أن يكون المحضن الأمين للدولة الإسلامية الوليدة فقد عرف من قبل عنصر اليهود، وكان لهم مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية في المدينة. وهم بطبعهم المتعجرف ونظرتهم الاستعلائية إلى غيرهم بأنهم أهل كتاب وأنهم شعب الله المختار لا يرضون بمزاحمة الدين الجديد، وهم يشاهدون حبّ الصحابة لرسول الله والتفافهم حوله في تماسك ومنعة. واليهود ليسوا من الوفرة العددية بحيث يواجهون ويتحدّون علانية. فلبسوا ثوب الخداع والمداجاة، ثم جرّوا إليهم من أهل المدينة المتردّدين الإمّعات، وليس أضرّ على المجتمعات البشرية من هذه الصفة الخسيسة عندما تنطلق فيها دعوة مباركة للإصلاح والتغيير، فلا مناص -إذن- من الإطناب والتفصيل في بيان مخازي هذه الطائفة ومضارّها حتى يتفاداها الأتباع الأوفياء، فجاء النصّ المبيّن لمواصفات المنافقين مُطوّلا يضمّ ثلاث عشرة آية مما ورد في النصّ ثم ما يتبعه من ضرب الأمثال لهم، تبين حقيقتهم وخطّتهم في التعامل مع الناس.
ومثل هذا البيان ضروري لكلّ داع إلى الحق ليعامل كل طائفة بما يناسبها، فلا يختل ميزان الأوضاع الاجتماعية، ولا تؤتى الدعوة من مأمنها فتتآكل داخليا حتى يُقضى عليها، والآيات وإن كانت تتناول هذه الطائفة في وقت التنزيل فهي شاملة عامّة لهذا النوع من الناس في كل زمان ومكان.
وقد أضفى عليهم البيان المفصّل كثيرا من الأوصاف فافتتحه تعالى بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ) وهو خبر مقدّم، وجاء بهذه الصيغة تنبيها للسامع على عجيب ما سيذكر وهو تركيب يكسب الذم للمُخْبَر عنهم بما يذكر في شأنهم من الأوصاف الذميمة أوّلها قوله تعالى:
أ - (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُومِنِينَ):