نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٤٧

الإيمان بالله واليوم الآخر هو الأساس الصحيح في معتقد المؤمنين بأية شريعة سماوية. وهو الصلة المعنوية التي تربط الإنسان بخالقه ولا يكون له مفعول حقيقي على سلوك الإنسان إلا إذا وقر في القلب وصدّقه العمل بأوفى صوره وأخلصها، وبما أن المنافقين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ولما كان الإيمان الصحيح مستودعه القلب فقد نفى الله عنهم مطلق الإيمان مؤكدا بدخول الباء في خبر " ما " وينطبق هذا النفي حتى على اليهود، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، فإن لجوءهم إلى المكر والخداع والمراوغة في العمل والسلوك يجرّدهم من آثار الإيمان الصحيح، وبالتالي فإن ما يأتون به من الأعمال الصالحة ظاهريا إنما يقصدون به الرّياء والنفاق وطلب الحظوة عند الناس، فلا ينفكّون عن الدّسائس والشرور، وهم بذلك محرومون من قبول الله ورضاه ولذلك قال الله تعالى في الوصف الثاني:

ب- (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يُخادِعُونَ إِلآَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ): والخداع من المخادعة والمفاعلة تقتضي المشاركة، استشكلها بعض المفسرين وقالوا: إنها محال على الله وغير لائقة بالمؤمنين بل يستقبح لأنه عمل المنافقين، وجاء التركيب في سورة النساء على طريقة المشاكلة اللفظية إذ قال تعالى: (إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، وحاول المفسّرون الإجابة على الإشكالية بأوجه من التأويل بعضها مستقيم مقبول وبعضها فيه تكلّف والتواء نورد نموذجين منها:

- يقول صاحب المنار: " والتحقيق أن فعل المشاركة هنا خاص بالفاعل المسند إليه فعله وهم المنافقون وصيغة "فاعل" لا تطّرد فيها المشاركة كالفعل كعاقبت اللص، وقد تكون مقدرة أو باعتبار الشأن أو القصد، ومن التكلّف قول بعضهم: إنّه عبّر عن مخادعتهم للرّسول بمخادعتهم لله".(1)

(1) - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 1/ 150.

٤٧ / ٦٬٢٠١