نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٤٨- أمّا صاحب الكشّاف فعلى طريقته في التعليل البياني يقول: " أن يخادعون استعارة تمثيلية، تشبيها للهيئة الحاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإبقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعين. "(1)
(وَمَا يُخادِعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ): أي أنهم في غفلتهم وقصور عقولهم يظنون أنّهم يخادعون الله فلا يعلم نواياهم ومقاصدهم، بينما الله جلَّ جلاله لا تخفى عنه خافية، فهم لا يخدعون إلا أنفسهم لما ألفوه من الكذب والمراوغة حتى على أنفسهم، وذلك حين تنطمس بصائرهم، فلا تهتدي لحقائق الأشياء بل تنقلب المفاهيم عندهم، فيرون الفساد صلاحا، والرَّشاد سفاهة ولذا نجد الله تعالى في تعداد أوصافهم ينفى عنهم في كلِّ مرة أوصاف العلم والشعور والإدراك الصحيح، ولذلك تنقلب عندهم موازين القيم وتنعكس في نظرهم حقائق الأشياء، فلا يرونها إلا من خلال ما وقر في نفوسهم من الأوهام والضلالات حتى أصبحوا في عداد من قال فيهم في سورة فاطر: (اَفَمَن زُيِّنَ لَهُ، سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَنًا، فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَّنْ يَّشَآءُ، فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ اِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (فاطر:08).
إنهم في حالة مرضية نفسانية لا يرجى برؤها لأنهم لا يلتمسون طرق العلاج، فتستحكم العلة في نفوسهم لأنها تجد المناخ الملائم فتتأصَّل وتزداد قال تعالى:
(1) - أنظر/ محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 1/ 276.