نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٤٢٣

ما كان الله ليترك رسله وأولياءه لمكر الكافرين عندما تقضي سنّته بإهلاكهم واستئصالهم، فقد بلغ الجهد بإبراهيم مداه في دعوة قومه إلى الله، فلم يثمر ذلك معهم شيئا، ويئس من استجابتهم فأعلن عن عزمه الهجرة إلى الله، أعلن ذلك في أهله وقومه، وليست الهجرة من الوطن بالأمر اليسير على المرء، فهي مخاطرة لا يدري ما تنطوي عليه من المفاجآت، كمن يدخل في مفاوز شاسعة ليس على طرقها معالم يهتدي بها في سيره، ولذلك كان إبراهيم واثقا من هداية ربّه له في تلك الهجرة، فهو لا يتردّد في الإقدام عليها، وممن صحبه في هجرته ابن أخيه لوط، وكان من المؤمنين به، ولمّا ينبئه الله، وكذا زوجه سارة وكانت عقيما، قال تعالى في سورة العنكبوت: (فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ اِلَى رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (26).

ولشعور إبراهيم بما سيعانيه من ألم الغربة بعد مفارقة الأهل والوطن طلب من ربّه أن يهب له غلاما صالحا يساعده في شؤونه ويؤنسه في غربته، فاستجاب الله دعوته وبشّره بغلام حليم، وبين تحقيق تلك البشارة وخروجه من بلده جرت أحداث في رحلته الطويلة إلى بلاد الشام ثم إلى مصر، حيث أهديت إليه جاريته هاجر التي حملت بولده إسماعيل عليه السلام، وهو الولد الذي بشره الله به، وهو على الأرجح الولد الذبيح الذي فصّل النصّ قصته، وصفه الله بصفتين:

أ) - أنه أصبح غلاما أي في سن البلوغ، أي ثلاث عشرة سنة.

ب) - حليما: أي الموصوف بالحلم أي واسع الصدر قادر على ضبط نفسه ذو أناة وصبر، وهي نفس الصفة التي وصف الله بها أباه إبراهيم فقال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:114).

٤٬٧٤٢ / ٦٬٢٠١