نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٤٢٤ويطوي النّصّ هنا أحداث انتقال إبراهيم بزوجه هاجر وولده إسماعيل إلى أرض مكّة عند مكان البيت الحرام ولا يزال إسماعيل رضيعا في حجر أمّه ثم يقول تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيِّ إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
الربط بالفاء الفصيحة: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) تدلّ على أفعال مقدرة تفهم من السّياق، بأنّ بشارة الله قد تحقّقت بهذا المولود وأنه كبر وترعرع حتى صار غلاما يافعا، وكان والده يتعهده بالزيارة إلى مكة من حين لآخر، من بعد أن استقرت قبيلة "جرهم" مع هاجر وإسماعيل على ماء زمزم، والتعبير بقوله تعالى: (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) يدلّ على أن الصبيّ بلغ السنّ التي أصبح فيها مساعدا لأبيه في تدبير شؤونه الدعوية، لأن كلمة السعي تدلّ على الجدّ والنشاط في العمل، فبينما هما يسعيان حدّث الوالد ولده بما كان يراه في الرؤيا من أمر الله له بذبح ولده، ورؤيا الأنبياء نوع من الوحي، قال الإمام البوصيري:
لا تنكر الوحي من رؤياه إن له … قلبا إذا نامت العينان لم ينم.
وكان ذلك الأمر الإلهي لإبراهيم ابتلاء له وتمحيصا لإخلاصه في طاعة ربه، فواجه ولده بما كان يراه في منامه من أمر الله له بذبحه، ويطلب رأيه في ذلك، فيا لله لتلك اللحظات العصيبة في ذلك الامتحان الإلهي الذي أراد الله به إظهار قوة الإخلاص وصدق العزيمة لدى إبراهيم في طاعة ربّه والاستسلام لأمره مهما كان شديدا على النفس، فهو الشيخ المعَنّى بألم الغربة، وقد رحم الله شيخوخته بهذا الولد الصالح الحليم، فلما بلغ معه المستوى الذي يأنس به ويطمئن بوجوده معه، يأمره الله بذبحه بيديه تضحية وقربانا يأمره بذلك في رؤيا منامية لطفا به، وتخفيفا من مشقة التكليف بالوحي واليقظة، فماذا كان من إبراهيم؟.