نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٤٩ج- (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يُكَذِّبُونَ): وأمراض القلوب هي أشد وأنكى على الإنسان من أمراض الأبدان، لأن القلب هو مستودع الإلهامات الرَّبَّانية، أو الوساوس الشيطانية، وبه قابلية للصلاح والفساد، وبدن الإنسان رهن به في تلك الأحوال المتقلبة، وقد بيَّن الرَّسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله:» ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب «(1)
ولخطورة هذا المرض النفسيِّ جاء لفظ "مرض" نكرة، والمقصود بازدياد المرض هو اتّقاء أسباب العلاج بالنصح والإرشاد لأن المنافق يتستَّر عن الناصحين والمرشدين، وحين يتستَّر المريض عن الطبيب المعالج فإنَّ مرضه يزداد حتى يورده موارد الهلاك، ولذلك تقول الحكمة: "من كتم داءه قتله"، فاستحقَّ هؤلاء العذاب الأليم الذي يناسب شرورهم، وقد بيَّن الله نوعيَّته في سورة النِّساء عندما قال: (اِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145).
ثم بيَّن الله سبب وقوعهم في هذا المسلك الخطير بأنهم يكذِّبون، فتكذيب اليهود لدعوة رسول الله كان بدافع الحسد والبغي، وتكذيب منافقي العرب كان بدافع الشَّك والارتياب في نبوءة رسول الله تأثّرا بتشكيك اليهود ودعاياتهم، أو استبقاء لبعض المنافع العاجلة كموقف عبد الله بن أبيّ وأشياعه.
وبعد تصوير الكذب والخداع يبيِّن النص صفات أخرى ذميمة، وتتمثل في السفه والغرور والادعاء وذلك عندما يواجهون النصحاء الذين ينكرون ما هم عليه من الشَّر والفساد:
(1) - رواه البخاري عن النعمان بن بشير في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث 52، 1/ 28.
ورواه مسلم عن النعمان بن بشيرأيضاً، في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال و ترك الشبهات، حديث 1599، 3/ 1219.