نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ١٧٧في الكلام طيّ لتفاصيل الأحداث يدلّ عليه ما بعده، فبعد التّعبئة ورضوخ القوم لقيادة طالوت خرج بهم إلى القتال في جند كثيف، ولكنّه أراد بإلهام من الله أن يختبرهم حتى يتيقّن من قبولهم لقيادته فيظهر منهم الرّاضون والكارهون، ومن تمّ يقيم استعداداته بهم للقاء العدو، فقال لهم: (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ) وهو نهر الأردن يمرّون عليه في يوم شديد الحرّ، ولحملهم على الاعتناء بما يختبرهم به جعل ذلك الاختبار بلوى من الله ليضفي عليها الطّابع الدّيني، فيشدّ بذلك عزيمتهم ويثير حفيظتهم وهم مقبلون على عدوّ قويّ الشّكيمة كبير العدد، فجعل الشّرب من النّهر دليل على الانتكاس عن العهد والخروج من صفّ القيادة.
(فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي): بينما يعتبر الممتنعين عن الشرب أوفياء بالعهد محسوبين على القيادة: (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ، مِنِّيَ)، واستثنى من ذلك من يكتفي بغرفة بيده ليبلّ بها ريقه فيعتبر بمثابة من لم يشرب.
ونلاحظ حنكة "طالوت" في القيادة بمراعاة طباع النفوس، إذ لم يحمل جنده على ما لا يطيقونه بتجاوز النّهر دون إصابة ما يبلّ الرّيق منه، وكيف كانت نتيجة الاختبار؟ إنّها غلبة الطّبع من بني إسرائيل: تمرّد وعصيان ونقص الوازع الإيماني بالحرص على الحياة ومفاتن الدنيا، إذ لم يبق إلاّ قليل من ذوي الإيمان والإخلاص، وعند تجاوز النّهر تمحّص الجند إلى فئتين:
أ- الفئة الكاثرة: وهي التي شربت من النّهر، وهذه أخذت تخذّل بالخوف والبلبلة من جند جالوت بأن لا طاقة لهم على مواجهته.