نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٤٩٠

يبدو أن النداء لداود في أول هذا التعقيب الذي جاء بعد القصة يكشف عن طبيعة الفتنة التي تعرض إليها داود، وأنها في ذلك الاستعجال الذي صدر منه في الحكم قبل التثبيت واستيفاء السماع لمرافعة الخصمين، فهو إلى جانب النبوءة والرسالة جعله الله ملكا حاكما وآتاه الحكمة وفصل الخطاب فقوله تعالى: (جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ)، والمعنى أنه خليفة الله في إنفاذ شريعته في خلقه سواء مما أوحى به إليه، أو مما أوحى به إلى موسى من شرائع بني إسرائيل.

ثم بيّن الله تعالى له قواعد الحكم الصحيح ليكون قدوة لغيره:

أ) - (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ): فرّع عن جعله خليفة أمره بأن يحكم في أقضية الناس بالحق، وهو ما تقتضيه الأحكام الشرعية من معاملة الناس وتصرفاتهم ليكون وفقها كما أمر الله.

ب) - (وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى): النهي عن الميل مع أهواء النفس وكل ما من شأنه أن يطمس وجه الحق من مطامع الدنيا، ومغريات القرابة، لأن "أل" في لفظ: (الْهَوَى) للجنس، يشمل كل الأنواع المجنبة لتوخّي الحق والعدل في القضاء؛ لأن الميل مع الأهواء يكون سببا للضلال والانحراف عن سبيل الله، وسبيل الله هو الصراط المستقيم الذي يتضمّن التعليمات الدينية التي تكفل للخلق الصلاح والسعادة في معاشهم ومعادهم، وكل من تنكّب ذلك الطريق فله العذاب الشديد يوم القيامة، لأن الانحراف عن طريق الله يكون سببه الغفلة والنسيان ليوم الحساب والجزاء يوم يقوم الناس لربّ العالمين.

وما أروع ذلك الربط بين حلقات الأسباب التي يفضي بعضها إلى بعض، فاتباع الهوى يفضي إلى الضلال عن سبيل الله، وهذا ينسي العبد ما ينتظره في موقف الحساب والجزاء مما يؤدي إلى استحقاق العذاب الشديد.

٤٬٨٠٩ / ٦٬٢٠١