نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ١٠٩

(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ): (قِهِمُ): دعاء للوقاية أي الحفظ وليس المقصود بالسيئات هنا الذنوب، إذ تقدم طلب المغفرة عنها، والمقصود هنا هو كل ما يسوء المؤمن يوم القيامة من ضيق القبر وأهوال البعث والحشر، على معنى قوله تعالى: (وَهُم مِّن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ -امِنُونَ) (النمل:89).

ج) - البيان والتّفسير:

لقد أبدع الإمام الرازي في تمهيده لهذا النصّ حين قال في تفسيره الكبير: "أعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بيّن أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حول العرش، يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين كأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزنا، فإن حملة العرش معك، والحافون من حول العرش معك ينصرونك"(1).

قلت: وهذا على معني قول ربيعة العدوية لربها:

إذا صحّ منك الودّ فالكل هيّن … وكل الذي فوق التراب تراب

قال تعالى: (الذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُومِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ):

لقد اقتضى ذم الذين يجادلون في آيات الله من الذين كفروا أن يقابل هنا بالثناء على المؤمنين ويا للبون الشاسع بين أتباع الكفر والباطل وبين أولياء الله من المؤمنين الأوفياء، فإذا كان الفريق الأول الضالّ لضيق الواقع الأرضيّ بكل ما فيه من شرّ وضلال وافتتان بمتاعه القليل الزائل، فإن الفريق الإيمانيّ المشرّف عند الله، لهم امتداد وذكر وتشريف عند الملإ الأعلى في أعظم مقاماته من العرش العظيم.

(1) 1 - التفسير الكبير: مجلد 27 صفحة: 31.

٤٬٩٦٦ / ٦٬٢٠١