نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٠٦ثم لقن الله لرسوله ما يقوله لقومه ممن لم يؤمنوا به بأنه لا يطلب منهم على تبليغ رسالته أجرا ولا نفعا وإنما يطلب مراعاة صلة الرحم والغرابة مع أطماعهم بزيادة ثوابهم إن هم ءامنوا وأحسنوا، ثم ردّ الله اتهامهم للرسول بالافتراء على الله ورغبهم في التوبة، ووعد المؤمنين وتوعّد الكافرين فقال جلّ من قائل:
(مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ):
نجد المناسبة قوية بين هذه الآية والتي سبقتها والتي أخرج الله فيها توفير الأرزاق لعباده من دائرة الصلاح والفساد، ومن دائرة الكفر والإيمان، وكان من لطفه تعالى بعباده أن علقه بالأسباب المسخرة للحياة بصفة عامة، وباستعدادات الأفراد بصفة خاصّة، غير أنه تعالى جعل السعي للرزق فتنة وابتلاء تتفاوت فيه مقاصد الناس ونواياهم، فيعطى لكل منهم ما يستحقه من الجزاء، ذلك ما تدلّ عليه هذه الآية الكريمة، فشبه العمل والسعي للرزق بالحرث فيتولد عن العمل ذلك الرزق المطلوب كما نتولّد الزروع والثمار عن الحرث، فكما أن لنوعية البذور وطريقة حرثها دخلا في نتائج الحصاد والجني فكذلك لنوعية العمل صلاحا أو طلاحا ولدوافعه من النية إخلاصا لله أو نفاقا نتائجه في نوعية الجزاء. فمن أراد بحرثه سعادة الآخرة بارك الله له فيه وزاد له من فضله بالحسنات إلى ما فوق سبعمائة ثم لا يفوته من الدنيا ما قدّر الله من رزق، ومن كان همّه الدنيا وزينتها أعطاه الله منها ما كتب له من رزق، لأن (مَنْ): للتبعيض ولكن ليس له من أجر الآخرة نصيب وذلك هو الخسران المبين ونظير هذه الآية قوله تعالى: