نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٠٧(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا* وَمَنَ اَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا* كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلآَءِ وَهَؤُلآَءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء:18 - 20).
ولا يفهم من هذه الآية الكريمة التحريض على الزهد في الدنيا والقعود عن العمل والكسب ثم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة كما قال سيّدنا عمر. بل المطلوب من المؤمن، أن يسعى ويكّد في طلب الرزق الحلال بكدّ يمينه بنية كفاية ضروراته وضرورات عياله وأولاده فيكون بذلك مأجورا عند الله، ثم شدّد الله النكير على منكري ما شرعه فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنم بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ):
(أَمْ): للإضراب الانتقالي، بمعنى "بل" وهي تتضمن استفهاما يفيد التقريع للكافرين المكذبين بالوحي. وقد ذكر الله تعالى من قبل ما شرعه للناس من وحدة الدين في أصوله وكيف تفرّق الأتباع من بعد ذلك، وهنا يبين كيف أن المشركين في وقت تنزيل القرآن، أنكروا ما شرعه الله لهم على لسان الرسول، وأتبعوا ما شرع لهم شياطين الإنس والجن، فجاء ذلك السؤال التقريعي التهكمّي، ألهم شركاء آخرون غير الله في شرع الأديان اعتقدوا بهم واتبعوهم، فالضمير: (شَرَعُوا لَهُم): إما الشياطين الذين يغوونهم بتلك الضلالات وإما هم الأصنام التي يعبدونها كما ذهب إلى ذلك كثير من المفسّرين، وفي قوله تعالى: (مَا لَمْ يَاذَنم بِهِ اللَّهُ): تقرير ضمنّي بأن المشرّع الحق هو الله وحده.