نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٩ذكرت الروايات أسبابا لنزول الآية تبيّن طبيعة الإنسان في الميل لحبّ المال ومتاع الدنيا، ومجتمع الأصحاب ليس بدعا من المجتمعات البشرية في احتدام تلك الرغبات فقد أخرج الحاكم أنها نزلت في أهل الصفة بأنهم نظروا إلى أموال بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع فتمنوها، فنزلت وكم لرسول الله من توجيهات لأصحابه في أن لا يشغلهم حبّ الدنيا عن العمل للفوز في الآخرة وهو لهم قدوة إذ قال له ربّه: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:131). فالآية على عمومها تعالج وضعية اجتماعية كان عليها المؤمنون الأوائل في مكة، وهم يعانون من ضيق في الرزق بتضييق المشركين عليهم، ويزيدهم غيظا وحنقا ما يرون عليه المشركين من سعة في الأرزاق وبسطة في الأموال والحرمة والجاه، ولا غضاضة في تلك النظرة التنافسية لمتاع الدنيا، والمؤمنون لا يتوجهون بسؤالهم وطلبهم لغير الله تعالى، فجاء هذا البيان الإلاهّي الشافي لتعليل حكمته في إنزال الرزق بقدر على عباده لأنه لو بسطة عليهم لبغوا في الأرض، وقوله: (لِعِبَادِهِ): يعمّ الجميع، إذ أنه تعالى قد أخرج توزيع الأرزاق عن دائرة الكفر والإيمان والصلاح والفساد -كما تقدم- وقد أسّس نظام هذا العالم في المجال الماديّ بقوانين عامة تنتظم جميع الخلائق.