نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٣٧وفي بيان أحوال الظالمين في موقف يوم القيامة يقول تعالى: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلِ اِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ): (وَتَرَى): الخطاب لغير معيّن، وليس بمستغرب من الظالمين أن يتغيّر موقفهم إزاء تحذيرهم من عذاب جهنّم، فقد كانوا في الدنيا يسمعون عنها ولا يرونها، فاستهزءوا وسخروا وكذبوا، أمّا وقد عاينوا ذلك في موقف المحشر فقد تغيّر موقفهم، فما راءٍ كمن سمعا، ولذلك تمنّوا في يأس وإحباط أيّ لو رجعوا إلى الدنيا بأيّ وسيلة، ولكن هيهات، فهم كاذبون في ذلك الرجاء، إذ قال تعالى في شأنهم: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبُ بِئاَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُومِنينَ* بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الأنعام:27 - 28).
وإذ كان الظالمين منتعشين بكبريائهم وغرورهم الدنيويّ وهم يمعنون في سخريتهم من رسول الله سيما في قضية البعث والنشور، فكيف أصبحت حالتهم النفسية يوم يعرضون على النار؟ … إنها حالة الانكسار والذلّ والهوان، قد تهاوت كبريائهم وانهارت معناوياتهم.
(وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ): إنه خشوع الانكسار والانهيار منكّسي الرؤوس ذليلي الأبصار يسارقون النظر إلى جهنم من شدة الخوف والمهابة كالذي حكم عليه بالإعدام وهو لا يكاد يحدّ نظره إلى المقصلة فيضع الجلادون سترة على عينيه رحمة به، وفي ذلك الموقف الرهيب يشعر المؤمنون بالأمن والطمأنينة، وهم يعاينون مصير الظالمين ويقولون:
(وَقَالَ الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلآَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ):