نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٦٧ب) - (وَإِذَا عَلِمَ مِنَ -ايَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُؤًا): هذه هي الحالة الثانية للأفاك الأثيم، وهي أنه لا يكتفي بالموقف السلبّي من التكذيب والإعراض بل يتخذ آيات هزؤا وسخرية، يتندر بها في الأوساط ويحظ من قيمتها كما فعل أبو جهل اللعين بكثير من آيات القرآن في مثل لفظ "الزقوم" عندما دعا بثمر وزبد وقال لأصحابه: "تزقموا من هذا ما يعدكم محمد إلا شهدا". وكذا النضر بن الحارث الذي نزلت الآية في شأنه وكذا آية سورة السجدة وهو يشغل الناس بقصصه الفارسية عن سماع القرآن الكريم.
(اُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ *مِنْ وَّرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ):
و (لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ): كرّر الله الوعيد بعذاب مهين لأولئك المستكبرين المستهزئين، وهو جزاء وفاق لكل مستكبر جبّار، فليس أمامهم يوم القيامة إلا نار جهنم لا يقيهم من حرّها ما كانوا يتعالون به في الدنيا من الأموال والأولاد والأتباع كما لا تنفعهم الأصنام التي عبدوها من دون الله واستشفعوا بها يرجون منها النفع ودفع الضرّ ففي مستقرهم بجهنم يجدون العذاب العظيم.
ويلاحظ تكرار التهديد بأنواع من العذاب، إذ وصفه الله أولا بالأليم ثم بالمهين وذلك خلال بيان أحوال المستكبرين المستهزئين، ولعلّ المراد –والله أعلم- هو ما يعاجلهم الله به من العذاب الدنيويّ بالأسر والقتل ثم العذاب الذي ينتظرهم في البرزخ قبل موعد البعث والنشور، وبعدهما يأتي العذاب العظيم في قعر جهنم، والعياذ بالله.
وبما أن الكلام يتناول موقف المشركين من القرآن، وقد نوّه الله بشأنه بكونه منزلا من عند الله وأنه من آياته الناطقة بوحدانيته وعظمته، فقد أردف هنا فوصفه بأعظم الصفات فقال:
(هَذَا هُدًى وَالذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ اَلِيمٌ):