نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤(كَذَالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ): تذييل لما قبله: أي مثل ذلك البيان يبين الله للناس أحوالهم حتى لا يبقوا في غفلة والمراد بالناس عمومهم مؤمنين وكافرين. والأمثال: جمع "مثل" أي الحال التي تمثل صاحبها
ج) - البيان والتّفسير:
مما هو ثابت من السيرة النبوية أن الله تعالى لم يأذن للرسول والمؤمنين بالقتال إلا بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة إذ نزل قوله تعالى: (اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39). فكانت نفوس المؤمنين تتشوق إلى الدفاع عن أنفسهم، فنزلت هذه السورة الكريمة لتأمرهم بالقتال وتبيّن أحكامه فقال تعالى:
(الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ): إن هذا المطلع الكريم للسورة يعدّ من براعة الإستهلال والتمهيد المناسب لشحذ عزائم المؤمنين وتحريك نخوتهم لقتال أعدائهم، لبيان غضب الله ونقمته على الكافرين وأنه تعالى سينصرهم عليهم، وحسب الكافرين مقتا عند الله أن يضفي عليهم ثلاثة أوصاف، الكفر بالله أي عدم الاعتراف بوحدانيته وسلطانه ومجود آياته، ثم صدّهم للناس عن سبيل الله بالمكر والإيذاء، وضلال أعمالهم وإن كانت في ظاهرها أعمال برّ وإحسان مما كان من أخلاقهم المتوارثة كإكرام الضيف، ونجدة الملهوف وسقاية الحاج الخ .... كأن مناط القبول عند الله هو الإيمان الصحيح إذ يقول: (وَقَدِمْنَآ إِلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا) (الفرقان:23). فهذا الوصف وإن كان ينطبق على كفار قريش فهو عامّ على كل من اختارذلك من غيرهم من البشر. وفي مقابل ذلك بيّن الله حال المؤمنين وذكر جزاؤهم فقال:
(وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَءَامَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ):