نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٦بعد تنويه الله بشأن المؤمنين وتثبيتهم في نصرة الله، والتنديد على الكافرين وتهديدهم بإحباط أعمالهم أعقب ذلك بالتعريض على النظر في مصائر الأمم المتقدمة كيف دمّر الله عليهم، وأنه تعالى ناصر المؤمنين وخاذل الكافرين في الدنيا ومنعم على أهل الإيمان بالجنة، والكافرون متواهم النار. قال تعالى:
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا):
فرّع الله على ما سبق من أحكام القتال ومصير الأسرى بعده فرّع هذا الاستفهام التقريري لدعوة الكافرين إلى السير في الأرض للتأمّل والاعتبار، فالضمير عائد إلى المتحدث عنهم من أول السورة من الذين كرهوا ما أنزل الله، علما بأن كفار قريش يسافرون بقوافلهم التجارية إلى جنوب الجزيرة وشمالها، فيمرّون على ضرائب القرى المدمّرة من قوم تبع وعاد وثمود ولوط وغيرهم ممن كانوا أشدّ منهم قوة وأكثر عددا، وعاقبة الشيء هو ما ينتهي إليه حالة خيرا أو شرّا، وعاقبة الطغاة والظلمة لم تكن إلا شرّا ودمارا ماحقا شديدا، وهذا ما يفيده التعبير: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ): بينما الفعل: (دَمَّرَ): يتعدّى بنفسه فعدّى هنا "بعلى" لإفادة الاستعلاء مبالغة في شدة التدمير لكل ما يخصّ بهم إذ نزل العذاب عليهم من فوق رؤوسهم، كما تفعله الطائرات اليوم، ولله المثل الأعلى، ثم قال تعالى: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا): وهذا تهديد للكافرين لما يسلطه الله عليهم من أمثال ذلك العذاب، والضمير في: (أَمْثَالُهَا): يعود إلى عاقبة الذين من قبلهم.