نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٩١(وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الاَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا* سُنَّةَ اللَّهِ التِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً):
لقد تعرض المسلمون لاستفزازات المشركين في الحديبية، وهفت قلوبهم للقتال، وحدث ما حدث من الإرباك في صفوفهم، ولكن الله أراد أن يتمّ الصلح فلا تكون مواجهة ولا قتال، ولو ركب المشركون رؤوسهم وبادروا المسلمين بالقتال لانهزموا أمامهم بمعونة الله لأنه تعالى لا يخذل أولياءه كما قال تعالى: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات:173). ولا يجد الكافرون من دون الله وليّا ولا نصيرا وتلك سنة الله في تدبير شؤون خلقه، بدحر الباطل وأعوانه ونصرة الحق مهما قل أنصاره وطال أمد الصراع، فإن ذلك من سنن الله التي لا تتغيّر على مرّ الأحقاب والعصور.
(وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنم بَعْدِ أَنَ اَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا):
يمتن الله على المسلمين بما هيأه في جوّ الحديبية من بواعث الموادعة والهدنة بين الفريقين، بالرغم من دواعي الانفجار والتصادم، سيما تلك المناوشات التي قام بها المشركون على معسكر المسلمين والكل إلى جوار الحرام، مما عبرّ الله عنه ببطن مكة، وقد مكن الله المسلمين من القبض على أولئك المناوشين، وإن كان الرسول قد أخلى سبيلهم إظهارا لحسن النية، ولنا أن نتصوّر الحالة النفسية للمسلمين وهم يعيشون تلك اللحظات المتوترة المشحونة بالقبظ والهيجان، فمّن غير الله بعث السكينة في تلك القلوب –وهو العليم بما في ثناياها- وكان الله بما تعملون بصيرا، وما أروع التعبير بكفّ الأيدي، وقد كانت منهيئة للتشابك والضرب، وها هي تتقيّد بلطف الله وإرادته، إن ربّي لطيف لما يشاء.
-والله أعلم-