نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١١٢تصدرت كلتا الآيتين الأولى السابقة وهذه الآية تصدرتا بالنداء الحبيب إلى المؤمنين، وللإيمان بالله ورسوله إلتزاماته ومقتضياته، وتكرار النداء للإهتمام بما يترتب عليه من إرشاد وتوجيه، وقد اختير أسلوب النهي عن تلك المعاملات السيئة الجافة، لأن ذلك أفيد في أسلوب التربية والتهذيب، لأن التخليّ قبل التحلّي كما يقول الحكماء. ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع، فأي أدب يجب أن يتحلّى به المؤمنون أمام رسول الله، وأي تشريف لمقام النبوءة ترشد إليه هاتان الآيتان، لأن رفع الصوت والجهر به لا يذم في كل مقام ولا مع كل شخص، غير أن المستوى الحضاريّ في التربية ينمّي في الإنسان الحسّ المدنيّ في علاقاته الإجتماعية فينزل الناس منازلهم، والحديث إلى الناس أو أمامهم هو المحك الذي يمحّص المستوى المدني للإنسان، فقد نهى الله المؤمنين عن رفع الصوت فوق صوت النبيء لأن ذلك ينمّ عن عدم التقرير والاحترام أوّلا، ثم نهاهم عن أن يكون حديثهم للرسول مساويا لحديث بعضهم لبعض، لأن التساوي يسقط الكلفة، وقد يجرّ ذلك إلى عدم التوقير والاحترام، وفي عدم التوفير والاحترام لرسول الله حبط للأعمال، قد يؤدي إلى الكفر سيما إذا كان مقرونا بالهزء والاستخفاف وبعد ذلك التحذير عن رفع الصوت قال تعالى:
(إِنَّ الذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ):