نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١١٧قلت: أيّا كان سبب النزول فحكم الآية عامّ يقيم مبدأ التمحيص والتحرّي في الأخبار قبل نشرها وإشاعتها لأن مصادر الخير -وإن تعددت أنواعها اليوم- فالعمدة فيها على الإنسان، وهو إما أن يكون ثقة لما يشتهر به من صلاح وتقوى فيؤخذ بخبره، وإما فاسق بلغ حدّ الاستهتار والمجاهرة بفسقه فلا بدّ في أخذ خبره من التثبت والتمحيص، وإلا فإن التسرّع في تصديق الإشاعات يقضى إلى اضطراب ميزان العدل والإنصاف في حقوق الناس ويوقع كثيرا من الإبرياء تحت طائلة القانون، والمؤمن الوفيّ لأخلاقيات الإسلام إذا لم يتحرّ ويتثبت في ما يتداول من الإشاعات فإنه يتحسّر ويندم مما قد يصيب أولئك الإبرياء من أضرار.
وللإمام ابن عاشور ملحظ جيّد في تفسير هذه الآية إذ قال: "وهذا الخطاب الذي اشتمل عليه قوله: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا): هو موجّه ابتداء للمؤمنين المخبّرين (بفتح الباء) كل بحسب أثره بما يبلغ إليه من الأخبار على اختلاف أغراض المخبرين (بكسر الباء) ولكن هذا الخطاب لا يترك المخبرين (بكسر الباء) بمعزل عن المطالبة بهذا الثبتين فيما يتحملونه من الاخبار، ويتوخى سوء العاقبة فيما يختلقونه من المختلقات، ولكن هذا تبيّن وتثبيت يخالف تبيّن الآخر وتثبته، فهذا تثبت من المتلقى بالتمحيص لما يتلقاه من حكاية أو يطرق سمعه من كلام، والآخر تمييز وتمحيص لحال المعبر" انتهى(1).
وقد فرّع الفقهاء عن هذه الآية كثيرا من الأحكام، تطلب من مصادرها، غير أنهم متفقون على عدالة أصحاب رسول الله ممن قال فيهم ربنا تبارك وتعالى: (فَالذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف:157).
ويستثنى من هذا الحكم عند بعض العلماء، أولئك الذين رأوا الرسول أو زاروه لماما.
(1) 1 - التحرير والتنوير: مجلد: 26 صفحة: 232 - 233.