نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ١١٨

أما عن الخلاف الفقهي في كون الأصل في الناس العدالة حتى يتبت العكس أم أن الأصل في مجهول الحال عدم العدالة حتى يعرف وتثبت عدالته، فأحسب أن روح الآية تؤيّد القول الثاني، لأن المتاح الذي يعيش فيه مجتمع قاله تأثير كبير في آراء المجتهدين الأئمة حين يميلون إلى رأيّ مّا.

فهذا سيّدنا عمر رضي الله عنه قد اختلف موقفه في قبول الشهادة فقال مرّة المسلمون عدول بعضهم عن بعض، ولما بلغه ظهور شهادة الزور رجع فقال لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول.

وتنكير كلمتي: (فَاسِقُم بِنَبَإٍ): في سياق الشرط، بـ (إِن): يفيد العموم، والفسّاق من الناس تتفاوت درجاتهم في الفسق، كما أن الأنباء تختلف في درجات الخطورة، وبما أن معرفة الناس وتقييم سلوكاتهم شيء صعب، وهو شيء نسبيّ يتفاوت من شخص إلى آخر فإن أسلوب التعميم في الآية الكريمة هو أنسب لأخذ الحيطة والحذر، والتعليل بالندم على الفعل لا مكان إصابة أحد يدعو إلى التثبت والتبيّن أكثر في نوع الأبناء التي تتعلق بها حقوق الغيّر حتى لا يتساهل فيها سواء من المخبرين (بكسر الباء) أو المخبرين (بفتحها) وبذلك تصان حقوق الناس وأعراضهم كما أرشد الله إلى ذلك في قصة الإفك إذ قال: (لَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ) (النّور:12).

ثم ذكّر الله المؤمنين بوجود رسول الله بينهم ليعظموه ويتقيّدوا بتوجيهاته ولا يتعجلوا فقال:

(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الاَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ* فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):

٥٬٥٢٢ / ٦٬٢٠١