نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٠٢أجاب الملائكة مفصحين عن مهمتهم الثانية الخطيرة والمتمثلة في إهلاك المجرمين من قوم لوط، واكتفى بوصف الإجرام، حتى تأخذ العقوبة الإلهية الطابع العامّ لكلّ من مارس ذلك الإجرام عبر التاريخ البشريّ والمتمثّل في فاحشة إتيان الذكران من العالمين، وقد سنّ هؤلاء القوم الشذوذ الفطري الذي أخبر عنه القرآن بأنه لم يمارسه من قبلهم من البشر، فهم الذين حرّفوا الفطرة السليمة في الاتّصال الجنسي بين الذّكر والأنثى وفق الضوابط الشرعية التي سنّها الله تعالى.
ولئن كانت عقوبة أولئك المجرمين الأوائل هو إمطارهم بحجارة من سجّيل، والله أعلم بطبيعتها ومصدرها، وهو يقول: إنّها مسوّمة للمسرفين، فقيل: إنها معلمّة ومصوّبة لأهدافها المقصودة لكل واحد من أولئك المجرمين، وقدرة الله تخرق العادات المألوفة عندنا، فلا عجب ولا غرابة في قدرته تعالى.
قلت: إنّ هذه العقوبة الأليمة تأخذ في النّصّ طابع العموم، ولكن ليس بلازم أن تكون بنفس الشّكل والنّوع للمجرمين بتلك الفاحشة في كلّ زمان ومكان، والله يقول في تذييل القصة من سورة هود: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (83).
ثم قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الاَلِيمَ).
قضى الله بإنجاء المؤمنين برسله، -وإن كانوا قلّة- قبل إهلاك المجرمين، أخبر الله بنون العظمة أنه أمر نبيه لوطا أن يخرج هو ومن آمن معه من أهل بيته في قِطع من الليل إلا امرأته كانت من المهلكين مع قومها، إذ كانت تمالئهم على الفاحشة.