نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٠٦وآية أخرى في عاد، وهم قوم هود عليه السلام، وكانت لهم حضارة في منطقة الأحقاف بجنوب الجزيرة، وكانوا أشداء الأجسام، فطغوا وتجبرّوا وقالوا من أشدّ منا قوّة؟. وبعد إقامة الحجة عليهم برسولهم هود، سلط الله عليهم الريح العقيم، أي التي لا نفع فيها، إذ لا تحمل ماء ولا تلقح سحابا ولا نباتا، والريح تأتي على أنواع متعددة يصرّفها الله كيف يشاء، وهي جند من جنوده، فكانت لهؤلاء القوم شرّا ووبالا، وصفها الله بأنها لا تترك شيئا أتت عليه إلا فتّتته وجعلته كالرميم، أي العظم البالي. وإن كان التعبير التصويريّ في النّصّ يدلّ على العموم لجميع الأشياء، إلاّ أنّه مخصّص بدليل العقل الواقعي فيكون البلى للأشياء القابلة لذلك، إذ بليت أجسامهم وبقيت مساكنهم، وقد قال تعالى: (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنم بَعْدِهِمُ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص:58). وهل كفار قريش أكرم على الله من هؤلاء.
(وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ، فَعَتَوْا عَنَ اَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ، فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ):
ثمود هم قوم صالح، ظلّ يدعوهم إلى عبادة الله وينذرهم من عذابه إن تمادوا على الكفر والطغيان، ومتعهم الله بالقصور والجنات، ونحتوا بيوتهم في صخور الجبال خوفا من ريح كريح قوم هود، وقد تكون الإشارة في قوله تعالى: (إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ) إلى ما ورد في سورة هود من إمهال صالح لهم ثلاثة أيام بعد قتل الناقة إذ قال: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَالِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود:65). وقال بعض المفسّرين: كان التمتع قبل الفترة التي عاشوها مع صالح في دعوته قبل نزول العذاب عند قتلهم الناقة.