نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٢٢ما أشد وقع هاتين الفاصلتين على القلب المؤمن المرهف، فالمقصود بعذاب الرّبّ هو عذاب الآخرة في جميع مراحلها وبكل أنواعه من فواجع الصعق إلى عذاب البرزخ وعذاب الحشر والحساب وفصل القضاء كل ذلك واقع -لا محالة- على المشركين المكذبين، لا يملك أحد منهم أن يدفعه بشفاعة أو مواجهة، وجاءت إضافته إلى لفظ الربوبية مضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلملطفا به وتسلية له بتعذيب المكذبين له وإحاطته برعاية ربّه فلا تناله إذايتهم ولا يفتّ في عزيمته مكرهم.
وزيدت: (مِن) لتأكيد النفي، ولقد كان من تأثير هاتين الآيتين في نفس السامع ما تقدم من رواية عن جبير بن المطعم ثم ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه خرج يوما على حماره ليعسّ كعادته فمرّ بدار أحد الصحابة يتهجّد ليلا فسمعه يقرأ القرآن بصوت مرتفع فوقف يتسمع لقراءته فإذا به يقرأ سورة الطور فتأثر لها تأثرا كبيرا ولم يستطع أن يتماسك على حماره، فنزل واتكأ على جدار مغمى عليه، فلما استفاق وعاد إلى بيته مكث في الفراش مريضا شهرا والناس يعودونه ولا يعلمون بسبب مرضه، وقد كان عمر يسمع السورة قبل ذلك، وكان الرسول يصلي بها المغرب ولكنه في تلك الليلة صادفت منه قلبا ولهانا ونفسا مشرقة فنفد إليها سحر السورة وفعلت به ما فعلت. وللإنسان لحظات تصفو فيها نفسه فيتعرض لتلك النفحات الربانية.
وعلى ذلك الإيقاع الرهيف، يأتي هذا المشهد المخيف: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا)، وأي تماسك نفسيّ يبقى للإنسان وهو يشاهد فوق رأسه السماء تضطرب وتموج وهو لا يقوى أن يشاهد اضطراب البحر، فما بال منظر الجبال الراسية وهي تسير وتتحرك وهي الأوتاد التي تمسك الأرض أن تميد، إنه لمنظر مهول صعق له موسى وهو الرسول المختار، فكيف بالإنسان التائه المحتار.