نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٣٦٨(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ): معطوف على قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ)، ويقال في استفهام: (مَآ أَصْحَابُ الشِّمَالِ) ما قيل في سابقه من معنى التعجيب وإثارة التشويق بالإبهام الذي يتضمنه وفي تقابل بديع بين ما ينعم به أصحاب اليمين من خضرة وظل وماء وما يتلذذون به من أنواع الفواكه، وبين ما يعاني به أصحاب الشمال من أنواع النكال نجد ذلك التناسق البليغ، فهواؤهم الذي يستنشقونه سموم من شواظ ساخن وظلهم من يحموم في دخان شديد السواد وشرابهم حميم من مياه حارة تقطّع الأمعاء وأي ظل يريحهم وهو من يحموم لا بارد ولا كريم، إنه الأسلوب التهكّمي الفظيع يصوّر ما يكونون عليه من عذاب بعفونة وحرارة عنصري الحياة من الماء والهواء، فبماذا كان لهم مثل هذا العذاب الفظيع؟.
قال تعالى: (اِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَيذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا اِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَ ءَابَآؤُنَا الاَوَّلُونَ).
إنه التعليل لما يلقاه أصحاب الشمال من العذاب في نار جهنم ذكر الله فيه أسبابا ثلاثة:
أ) - (اِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ): والتّرف هو التّنعّم بما أنعم الله على عبده من أنواع النعم مصحوبا بالكبرياء والبطر المؤدّي إلى الكفران بنعم الله والانغماس في الشهوات بحيث يؤدي إلى الكفر والفسق كما قال تعالى: (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء:16). وأما الذي بسط الله له في الرزق وكان يتمتع به في حياته شاكرا لنعمة ربّه مؤديا حق الله في ماله فلا يعدّ مترفا.