نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤٤٦هذا هو النّداء الثّالث لاستجاشة شعور المؤمنين وإرشادهم إلى أدب آخر يراعونه في علانيتهم برسولهم، فهم -ولاشك- يعظّمونه ويحبّونه أشدّ الحبّ، ويودّ كل واحد منهم أن يحدّثه في بعض شؤونه الخاصة يسترشده فيها، وفي الحديث مع الأكابر لذة ومتعة، وفيه قدر من الامتياز والمكانة، وأغلب المؤمنين مدفوعون بذلك الشّعور التّقديري نحو رسولهم، ولكنهم لا يشعرون بعظم مهامّه وبقيمة وقته، وربما تضايق رسول الله بكثرة التّردّد لمناجاته فكان من رأفة الله به أن يأمر المؤمنين بأداء صدقة قبل طلب المناجاة رحمة بالفقراء وتقييدا لضغوط تلك المناجاة، وفي سبب النّزول فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلمحتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه فأنزل: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)، فلما نزلت صبر كثير من النّاس وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد ذلك: (-آشْفَقْتُمُ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقد تضاربت الرّوايات في تحديد المدة التي تفصل بين الأمر بالصّدقة وبالتّرخيص والتّخفيف فيها، فقيل: عشرة أيام، وقيل: ساعات من نهار، وقيل: لم يطبق الأمر إلا الإمام علي كرم الله وجهه. قال: إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي. وقد تراوح الأمر عند العلماء بين الوجوب والنّدب وبين النّسخ وعدمه.