نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٤٦٩

ثم ثناهم بالأنصار من أهل المدينة فأبرز ملامحهم بما ميزهم من التّضحية والإيثار والمحبة في الله فقال: (وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

وفعل تبوّأ، معناه اتخاذ مكان ما مباءة يلجأ إليه في كلّ مرة، و (الدَّارَ) هي المدينة المنوّرة، (مِن قَبْلِهِمْ): الضّمير يرجع إلى المهاجرين والمراد أن المتبوئين للمدينة وهم الأنصار قد أخلصوا في إيمانهم ولزموه كلزومهم لديارهم فكأن الإيمان الصّادق وجد من قلوبهم منزلا وسكنا فتمكن فيها واستقرّ كما استقرت أجسادهم في ديار المدينة. ثم خلّد مآثرهم في الكرم والإيثار مما لم تعرف المجتمعات البشرية له مثيلا مما كان يحلم به الفلاسفة والحكماء من تخيل المدينة الفاضلة، وقد حققه الأنصار واقعا معيشا في أعظم صورة كان فيها الحبّ المكين في الله لإخوانهم المهاجرين، كان ذلك الحبّ الوطيد هو الدّافع القوي في تلك المشاركة الحيّة والمسابقة إلى الإيواء ومقاسمة ضرورات الحياة بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، وصل بهم إلى حدّ الإيثار، وهو أن تفضل غيرك على نفسك بشيء لك به حاجة بحيث لا تشعر بمضاضة في ذلك ولا تحسّ في نفسك بأي شيء يثير سخطا، بله الحسد والضّيق.

(وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): فالشّح هو المانع من كل خير، وهو المرض الوبيل الذي يقضي على شاعر الشّفقة والرّأفة ويجفف منابع الرّحمة في النّفس البشرية، ومن حصنه الله من جراثيم ذلك المرض فقد يسّر له سبل الفلاح بما يتطبّع به من الكرم والسّخاء.

٥٬٨٧٣ / ٦٬٢٠١